ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

116

الوشى المرقوم في حل المنظوم

ويواصل الدكتور أبو همام تفنيده لهذه القضية مؤكدا أن « الشعر البليغ والنثر البليغ قلما يقترنان ، إلا لدى ملكات نادرة جدا ، في الأدب العربي والأعجمى ؛ لأن الشعر ملك مستبد ، وبطغواه كأنه يحجز على ذويه أن يشغلهم عنه شيء آخر ، والمتفلت من هذه السيطرة ، غالبا ما يرضى الشعر بأن يحمل أسلابه إلى عالم النثر ، وعزيز بلوغ هاتيك جدا » « 1 » . ويرصد أبو همام مشخصا الواقع الأدبي المعاصر بقوله : « وكان من ديدن أدبائنا حتى عهد قريب أنهم كانوا يستهلون حياتهم الأدبية شعراء ، ثم لا يعتمون أن يصدفوا عن الفن الصعب الطويل السلم ، حين تقعى بهم خطاهم فيزهدون عنه عجزا إلى الكلام النثرى ؛ لأن جيد الشعر يأباهم ، وهم يأبون رديئه ، وتلك خلة كريمة فيهم ، ويبدعون في حقول أخرى هم مؤهلون لها كالنقد والرواية والقصة وما أشبه ذلك وكان هذا السلف الكريم يعى مواهبه وقدراته حق الوعي ، وخلف من بعضهم خلف غفل عن عجزه ، وغافل الناس ؛ فأسرف على نفسه وعليهم حين زعم أنه شاعر ، وأنه مجدد . وما على الناس إلا أن يقروه على فعلته ، فنبتت نابتة في تلك الأيام القريبة أبت إلا الشعر ، وأباهم الشعر . وكان لنا أخيرا هذا الخلط بين الفنون ، وخرج كثير من النقاد بالصمت عن لا ونعم ، وآخرون عزّ عليهم وعلى قدراتهم النفسية أن يقرفوا بالتخلف والرجعية فشاءوا أن يباركوا كل ناعق ، وأن يسبقوه إلى الاعتراف بعمله ، يستوى لديهم الشعر الحر ، والزجل ، وقصيدة النثر ، والشعر المنثور ، والقصة القصيدة ، والقصيدة القصة ، والرواية واللا رواية ، وما شابه ذلك من الأسماء » « 2 » . وفي نهاية هذا المقال يرى الدكتور أبو همام أن « النثر قد يكون شعريا ، ولكنه ليس بشعر حين يخلو من الموسيقى . . . ولعل ذلك وراء إنشاد الشعر بعد إنشائه ، فيتسلل من الاذان إلى الأرواح ، ولا يكون النثر إنشادا على الإطلاق إلا إذا حمل شيئا من الشعر يتمثل في الأسجاع والموازنات الموسيقية والإيقاعية « 3 » .

--> ( 1 ) السابق ص 56 . ( 2 ) السابق ص 59 . ( 3 ) السابق ص 62 .